الخطيب الشربيني
522
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
وَإِذَا الْجِبالُ أي : على صلابتها نُسِفَتْ أي : ذهب بها كلها بسرعة من نسفت الشيء : إذا اختطفته ، أو نسفت كالحب إذا نسف بالمنسف ، ونحوه وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا [ الواقعة : 5 ] وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلًا [ المزمل : 14 ] . وَإِذَا الرُّسُلُ أي : الذين أنذروا الناس ذلك اليوم فكذبوا أُقِّتَتْ قال مجاهد والزجاج : المراد بهذا التأقيت تبيين الوقت الذي فيه يحضرون للشهادة على أممهم ، أي : جمعت لميقات يوم معلوم وهو يوم القيامة ، والوقت الأجل الذي يكون عنده الشيء المؤخر إليه ، فالمعنى : جعل لها وقت أجل للفصل والقضاء بينهم وبين الأمم كقوله تعالى : يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ [ المائدة : 109 ] . وقرأ أبو عمرو بواو مضمومة والباقون بهمزة مضمومة وهما لغتان ، والعرب تعاقب بين الواو والهمزة كقولهم : وكدت وأكدت . وقوله تعالى : لِأَيِّ يَوْمٍ أي : عظيم متعلق بقوله تعالى : أُجِّلَتْ وهذه الجملة معمولة لقول مضمر أي : يقال لأي يوم أجلت ، وهذا القول المضمر يجوز أن يكون جوابا لإذا وأن يكون حالا من مرفوع أُقِّتَتْ أي : مقولا فيها لأي يوم أجلت أي : أخرت ، وهذا تعظيم لذلك اليوم وتعجيب له وقوله تعالى : لِيَوْمِ الْفَصْلِ بيان ليوم التأجيل . وقيل : اللام بمعنى إلى ، ذكره مكي . قال ابن عباس : يوم فصل الرحمن بين الخلائق كقوله تعالى : إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ [ الدخان : 40 ] . ثم أتبع هذا التعظيم تعظيما آخر بقوله تعالى : وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ أي : ومن أين تعلم كنهه ولم تر مثله في شدّته ومهابته ، وقرأ أبو عمرو وشعبة وحمزة والكسائي وابن ذكوان بخلاف عنه بالإمالة محضة ، وقرأ ورش بين بين والباقون بالفتح . ثم أتبعه تهويلا ثالثا بقوله تعالى : وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ أي : إذ يكون يوم الفصل لِلْمُكَذِّبِينَ أي : بذلك ، قال القرطبي : ويل عذاب وخزي لمن كذب بالله تعالى وبرسله وكتبه وبيوم الفصل ، وهو وعيد وكرّره في هذه السورة عند كل آية كأنه قسمه بينهم على قدر تكذيبهم ، فإنّ لكل مكذب بشيء عذابا سوى عذاب تكذيبه بشيء آخر ، ورب شيء كذب به هو أعظم جرما من تكذيبه لغيره ؛ لأنه أقبح في تعظيمه وأعظم في الردّ على الله تعالى ، وإنما يقسم له من الويل على قدر ذلك وعلى قدر وفاقه ، وهو قوله تعالى : جَزاءً وِفاقاً [ النبأ : 26 ] . وقيل : كرره لمعنى تكرار التخويف والوعيد ، وروي عن النعمان بن بشير قال : ويل واد في جهنم فيه ألوان العذاب ، وقاله ابن عباس وغيره ، وروي أنه عليه الصلاة والسلام قال : « عرضت عليّ جهنم فلم أر فيها واديا أعظم من الويل » « 1 » ، وروي أيضا أنه مجمع ما يسيل من قيح أهل النار وصديدهم ، وإنما يسيل الشيء فيما سفل من الأرض ، وقد علم العباد في الدنيا أنّ شرّ المواضع ما استنقع فيها مياه الأدناس والأقذار والغسالات والجيف وماء الحمامات ، فذكر أنّ الوادي مستنقع صديد أهل الكفر والشرك ليعلم العاقل أنه لا شيء أقذر منه قذارة ولا أنتن منه نتنا . تنبيه : ويل مبتدأ ، وسوّغ الابتداء به الدعاء ، ويومئذ ظرف للويل وللمكذبين خبره . وقال الزمخشري : فإن قلت كيف وقع النكرة مبتدأ ؟ قلت : هو في أصله مصدر منصوب ساد مسدّ فعله
--> ( 1 ) أخرجه القرطبي في تفسيره 19 / 158 .